اللواء فـؤاد حسين ضـابط المخــابرات وصــائد الجواسيس ومستشـار مكافحـة الجـاسوسية والإرهـاب فـي هـذه الحلقة مـن حديثنــا معــه يعيــدنا إلي حديث البطولات ومقاومة الجاسوسية وضرب أهداف العدو
المتربص بمصر دائما, ولايزال اللواء فؤاد حسين يطالب المصريين بضرورة التعرف علي سيناء قبل أن يقع الشعب المصري كله في أسر الجهــل بمــا يملك وسرقة تاريخ أجداده, حول البطولات التي قام بها فدائيو منظمة سيناء العربية ومقاومة الجاسوسية يدور حديثنا في هذه الحلقة.
نحن جميعا مشتركون في جريمة قتل سيناء جملة بدأت بها كتابك شعبنا المجهول في سيناء أثارت فضولي لسؤالك كيف نقتل أهم جهاز دفاعي في الجسد المصري؟
- لم أعلم عن سيناء شيئا قبل عام 1967, رغم أني كنت ضابطا بالجيش المصري, ولم أهتم بها إلا من خلال عملي فيها وتكليفي بتسجيل نداءات لأهالي سيناء من أجل التصدي والصمود أمام العدو بعد حرب 67 وتوصيل هذه الشرائط المسجلة لإذاعة صوت العرب, في الوقت الذي كنت لا أملك الكثير من المعرفة عن مشايخ سيناء أو دروبها, وكلفني هذا بحثا كبيرا وقراءات عديدة في كل ما كتب عن سيناء, لذا مازلت أؤكد ضرورة قيام مشروع قومي للتعريف بسيناء لكل الشعب المصري, ومازلت أتذكر الضابط صديقي إبراهيم زويل ابن عم الدكتور أحمد زويل الذي سقط في أسر القوات الإسرائيلية عام 67 لأنه لم يكن يعرف طرق سيناء أثناء عودته بعد حرب 67 إلي القناة, فأخطأ عند تقاطع الحسنة واستكمل طريقه الخطأ المؤدي إلي العريش بدلا من طريقه إلي القناة فسقط في الأسر.
وكان برتبة نقيب آنذاك, ولم يكتفوا بذلك, بل طالبوه بمدهم بالمعلومات عن مصر ورفض, ولكن ليتدارك الأمر بذكاء عرض عليهم استعداده لتنفيذ تكليفات ضد الرئيس جمال عبدالناصر بصفته المسئول عن النكسة في 67, وبالفعل تم تجنيده وتدريبه علي كيفية إشعال الحرائق في الأماكن العامة في مصر مثل السينمات والمصانع الحيوية المهمة, وبطريقة بدائية جدا لا تثير الشكوك, بل تم تدريبه علي كيفية إفساد أي مؤتمر جماهيري يعقده الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بشكل أيضا بدائي وهادئ, بمجرد إطلاق روائح كريهة قوية تجبر الحضور علي الانصراف, وكلها أشكال لا تثير الريبة, وبمجرد عودته في استبدال الأسري عن طريق قناة السويس طلب مقابلة مدير المخابرات شخصيا بإلحاح, وبالفعل تمت المقابلة التي أخبره فيها النقيب إبراهيم زويل بتجنيد القوات الإسرائيلية له ضد مصر, فالجهل بالأشياء يسقطنا في مخاطر عديدة, وعلينا أن نشترك جميعا في الدفاع عن سيناء بالمعرفة أولا لتتحقق التنمية المطلوبة.
وكيف تم سرقة التاريخ في سيناء؟
- عايشت موقفا لن أنساه, فبعد حرب 67 بأشهر قليلة لاحظنا ــ نحن ضباط المخابرات وأعضاء منظمة سيناء العربية ــ وصول وفود كثيرة بسيارات سياحة إسرائيلية إلي سيناء وسط الصحراء في الجنوب ولا نعلم إلي أين يتوجهون في الصحراء ولماذا؟ وظللنا نبحث عن الإجابة في هذه المنطقة تحديدا في منطقة أبوزنيمة وعندما لم نصل لإجابة بحثت مع مشايخ سيناء ومنهم الشيخ سمحان ما أهمية هذه المنطقة لتأتي إليها الوفود الإسرائيلية فأخبرني بأنهم يذهبون إلي معبد سرابيط الخادم والذي لم نكن نعلم عنه شيئا, ولكن اليهود يعلمون, لذلك ستظل سيناء حلما لهم, وهذا المعبد هو معبد مصري فرعوني ،
تم إنشاؤه في صورة أعمدة حجرية للإله حتحور أو هاتور وكان من أهم المعابد الفرعونية وذلك لأن فرعون مصر كان لا يتسلم صولجان الحكم إلا بعد تقديمه لفروض الطاعة في معبد سرابيط الخادم أولا ثم يعود بعدها ويتولي الحكم, ولكن للأسف تمت سرقته قطعة قطعة وآخر سربوط أي العمود الحجري تمت سرقته في أكتوبر 2010 لأنهم يعتقدون أن المعبد مقام علي شكل هيكل سليمان, فلهم الحق فيه واستولوا عليه تماما,
ولاتزال سيارات السياحة الإسرائيلية تأتي محملة بالشباب في سن العشرين إلي جنوب سيناء تحت مسمي السياحة, ولكن الهدف معرفة الأرض التي يريدون استردادها, ونحن في المقابل لا ننظم رحلات سياحة داخلية إلي سيناء لأبناء مصر من الشباب والأطفال ليتعرفوا علي أرضنا أرض الكنوز.
هل تري أن أهداف إسرائيل في مصر اختلفت الآن؟
- أهدافها واحدة وهي جمع المعلومات العسكرية والاقتصادية وإثارة البلبلة وإشعال الحرائق المختلفة داخل مصر حتي يتسني لهم السيطرة علي مواردنا البشرية والطبيعية, والصراع بين الأجهزة الاستخباراتية لا يتوقف منذ بدء الصراع العربي ــ الإسرائيلي الطويل الذي بدأ قبل عام 1948 ولايزال, وإن كان الصراع المسلح في فترات معينة ولكن الصراع الخفي غير المسلح مستمر.
لماذا لقبت بصائد الجواسيس؟
- هذا اللقب أطلقه علي زملائي لأني تمكنت من القبض علي 46 جاسوسا يعملون ضد مصر بجنسيات مختلفة منذ عام 67 وحتي 1973, أي في خلال سبع سنوات فقط, وهذا رقم كبير علي تلك الفترة الزمنية, لأن قضية الجاسوسية قد تأخذ عامين أو ثلاثة ليتم كشفها والقبض علي أفرادها, ولكن أحمد الله كنت أمتلك حسا مخابراتيا فطريا, فأتذكر قضية قابلتها بالمصادفة في الشارع وكنا نتوجه للقيام بواجب عزاء مع زوجتي في سيارتي الخاصة بطريق كورنيش شبرا,
فوجدت سيارة لوحاتها هيئة سياسية وفيها ضابط روسي يبدل ملابسه الرسمية الكاب والجاكت ويرتدي جاكت مدنيا ويستقل سيارته فانحرفت خلفه بالطريق المعاكس, حتي صرخت زوجتي إلي أين نحن ذاهبون؟, وظللت خلفه وأنزلت زوجتي في الطريق حتي وصلت وراءه إلي الهرم فوجدته يتقابل مع شخص آخر في السيارة نفسها لمدة دقائق ثم نزل, فراقبت هذا الشخص وجمعت عنه المعلومات وعلمت أنه مترجم روسي واستدعيته وكشفت خيوط القضية برمتها في يومين فقط, وكان يعمل جاسوسا ضد مصر, لذا أطلق زملائي هذا اللقب لأني اصطدته من الشارع بقوة الملاحظة.
بصفتك مستشارا للجاسوسية والإرهاب هل تري أن سيناء تملؤها جماعات إرهابية كما تدعي إسرائيل أم أنها تحاول خرق اتفاقية السلام بأسباب واهية؟
- إسرائيل أمل حياتها إلغاء اتفاقية كامب ديفيد حتي يتسني لها استعادة سيناء, لأنها لاتزال تدعي أن سيناء ملك لها وتعتبرها الآن محتلة من قبل القوات المسلحة المصرية, والكثير هناك يعتبرون أن السادات احتال عليهم فأخذ الأرض وأعطاهم مجرد ورقة, وفي الوقت الذي نحتفل فيه بعيد تحرير سيناء في 25 ابريل, تقيم إسرائيل مراسم جنائزية لفقدها سيناء,
فكل ما يطلقونه الآن من شائعات حول سيناء عار تماما من الصحة, بالإضافة إلي استخدامهم الإنترنت أيضا للترويج لنفس الموضوع, ومصر تمتلك القدرة علي الرد لأي عدوان ضدها, ولكنهم يفضلون استفزازنا لنبدأ نحن بإلغاء الاتفاقية, حتي يظهروا أمام دول العالم بمظهر الأبرياء والمصريون هم الهمج الذين لا يحترمون المواثيق الدولية.
موقعـة الجمـل
أصبح في تاريخنا الحديث بعد ثورة 25 يناير ما يعرف بموقعة الجمل ولكني أعرف أن للجمل موقعة أخري بعد حرب 67 فما هي؟!
- الجمل من المعجزات الإلهية التي ذكرها المولي عز وجل مع معجزة السماء والأرض والجبال كما قال في سورة الغاشية أفلا ينظرون إلي الإبل كيف خلقت وإلي السماء كيف رفعت وإلي الجبال كيف نصبت وإلي الأرض كيف سطحت,
وكان أهل سيناء يستخدمونه الوسيلة الوحيدة لنقل المواد الغذائية لأهالي سيناء المحتجزين تحت الاحتلال الإسرائيلي بعد عدوان 1967 ثم تم استخدام الجمل في نقل الأسلحة والذخيرة والمفرقعات إلي مجاهدي منظمة سيناء العربية بالداخل بعد استلامها من شرق القنال قادمة بالزوارق المطاطية واللنشات الصغيرة,
ولكن القوات الإسرائيلية انتبهت لهم وقاموا بتهجير أهالي سيناء إلي مسافة 50 كيلومترا شرق القنال ليقوموا يوميا بعمليات قص الأثر بطول القناة للقبض علي الفدائيين المصريين من أعضاء المنظمة وكانت مشكلة للمخابرات المصرية لأنه ليس من السهل نقل معدات وأسلحة وصواريخ وألغام محمولة لمسافات بعيدة لأفراد يسيرون علي الأقدام,
لذا اقترح الشيخ سمحان موسي مطير من الصوالحة باستخدام الجمل ليعوم في الماء حاملا المعدات والأسلحة لتصل إلي شرق القنال ومعها الفدائي عبدالكريم لافي من قبيلة السواركة ومبارك صلاح حمدان وشهرته مبارك العبد لتنفيذ المهام القتالية في سيناء.
وماذا عن أهداف إسرائيل في تدويل سيناء؟
- بعد احتلال إسرائيل لسيناء بـ16 شهرا فقط عقدت مؤتمرا إعلاميا كبيرا في الحسنة وسط سيناء دعت إليه جميع وسائل الإعلام المحلية والعالمية لنقل الخبر القنبلة الذي كانت تنوي إسرائيل تفجيره أمام العالم, ألا وهو تحويل سيناء لمنطقة دولية بموافقة أهالي سيناء, وعندما وصل إلينا الخبر قبل انعقاد المؤتمر تم وضع خطة لإفشال هذا المؤتمر الذي حضره موشي ديان بنفسه بالتعاون مع مشايخ سيناء ونفذها الشيخ سالم الهرش وهو شخصية جريئة وصلب الإرادة وضخم البنية وصوته مرتفع وله حضور,
حيث أعلن في هذا المؤتمر أمام كل وسائل الإعلام أن أرض سيناء أرض مصرية, وأن رئيسهم هو الرئيس جمال عبدالناصر, وإذا كانت سيناء محتلة الآن فهي ستعود إلي مصر, وإن كانوا يرغبون في تدويلها فعليهم بسؤال الرئيس عبدالناصر, فصفق له الحاضرون من مشايخ سيناء وفشل مؤتمر الحسنة عام 68, واعتقل موشي ديان الشيخ الهرش لمدة عام وتم إطلاق سراحه بعد تدخل المخابرات الحربية وإتمام صفقات التبادل.
هـدهـد بئـر العبـد
ما أكثر الشخصيات التي لاتزال تتذكر بطولاتها في سيناء؟
- الشخصيات عديدة والبطولات أعظم, ومهما حاولت اعتصار ذاكرتي فلن أعطي أصحاب تلك البطولات حقهم, فمنظمة سيناء العربية بجميع أفرادها من فدائيين وضباط مخابرات ظلوا يقدمون أرواحهم علي مدي سبع سنوات حبا في الوطن, ومن بينهم. . شلاش خالد عرابي المعروف باسم هدهد بئر العبد أنشط مندوبي المخابرات الحربية وأبرز رجال منظمة سيناء العربية الذي دوخ المخابرات الإسرائيلية بكل أجهزتها حتي رصدت آلاف الدولارات مكافأة لمن يرشد عنه,
ونشرت قصته في كتاب المخابرات السرية العربية للكاتب الإسرائيلي ياكوف كاروز, وسقط في قبضة المخابرات الإسرائيلية في آخر عملية فدائية قام بها خلف خطوط العدو في ديسمبر 1968 بعد مقاومة عنيفة وعذبته القوات الإسرائيلية بقسوة وهو جريح مكسور الفك ومقطوع اللسان برغم كونه أسيرا وهو ينتمي لأعرق قبائل شمال سيناء, ومنحه الرئيس السادات نوط الامتياز من الدرجة الأولي بعد تدخل المخابرات الحربية المصرية للإفراج عنه في مارس 1974 ضمن صفقة تبادل الأسري.
شباب المستقبـل
صدر لك 12 مؤلفا حول سيناء والجاسوسية علي مدي زمن طويل جدا لتأخر الموافقة علي مؤلفاتك من الجهات الأمنية ومع ذلك لم يجد الملل والإحباط طريقا لك فما سر هذه الصلابة والجلد؟
- انتظاري الطويل أحيانا للحصول علي الموافقة لنشر مؤلفاتي لا يضيرني لأنني أعلم جيدا أهمية الحفاظ علي الأمن القومي, وبالتالي طول الزمن لا يرجعني عن هدفي في الوصول بما أملكه من معلومات للأجيال الجديدة من الشباب مستقبل مصر, فمنذ عام 1990 وأنا أكتب عن سيناء التي لا يعرفها أحد وعن الجاسوسية لحماية البلد وأبنائها وإعلامهم المستمر بأهداف العدو المتربص لأي لحظة ضعف نمر بها, لذا أكتب الأشياء التي لا يعرفها الكثيرون, ولا أطمع في شهرة سينمائية لكتاباتي, بل أشعر بأن لدي أمانة يجب أن أصل بها لأصحابها.
وبماذا إذن تنصح الشباب المصري حتي لا يقع في شباك الجاسوسية دون أن يدري؟
- كلما نظرت في عيون حفيدي الوحيد علي أري المستقبل لذا قدمت له إهداء أحد مؤلفاتي بوصفه فجر عمري الجديد, فاهتمامنا بأبنائنا فرض وواجب, والاهتمام ليس بتوفير الاحتياجات الأساسية وإنما بتنمية الوعي وبالتعليم الصحيح وبغرس القيم والمبادئ وبزرع الحب لكل شيء حولنا وأولها بالطبع الأرض الذي نعيش فيها, الوطن الذي نحيا فيه مصر لأن الشباب أمام الطموحات اللانهائية التي نماها فيهم الإعلام والفضائيات مع قلة الإمكانات وزيادة نسبة البطالة وتفكك الأسرة المصرية أصبح من السهل جدا تجنيدهم الآن, لذا عليهم اليقظة المستمرة لأي متحدث معهم, مهما يكن يتحدث باللغة العربية الفصحي أو العامية المصرية أو بلهجة شامية أو خليجية,
فاليهود يتحدثونها جميعا بطلاقة لأن معظمهم من أصل عربي, ولا يصرحون بهويتهم ويسعون إلي استمالة الشباب بتوفير المكاسب المالية لهم, فيبدأون بالحديث عن تجارة ما قد تكون بسيطة جدا في البداية وتحقق مكاسب جيدة للطرفين, حتي يتطور الأمر بأهمية تطوير التجارة وفتح مجالات جديدة ترتبط بتوفير معلومات عن البلد, عن الأسعار, عن الحالة الاقتصادية, حول الرواتب, الصحة, التعليم, تحت مسمي دراسة جدوي للمشروع التجاري.
بهذه الكلمات المتفائلة أنهينا حوارنا الثري مع أبرز مجاهدي منظمة سيناء العربية في ذكري التحرير الثلاثين.
