08‏/04‏/2012

دلائل حب الإنسان لله تعالى

إذا أردنا أن نختبر أنفسنا فى معرفة مدى حبّنا لله عزّ وجلّ، فثمة دلائل وإشارات وأسئلة، تتبيّن من خلال طرحها بصراحة الإجابة عنها بصدق على مستوى هذا الحبّ، ومن ذلك:

- إستصغار الطّاعة وإستعظام الذّنب:

سأل أعرابيّ الإمام عليّ (ع) عن درجات المُحبِّين، فقال (ع):«أدنى درجاتهم مَنِ استصغرَ طاعته وإستعظمَ ذنبه، وهو يظنّ أن ليس في الدّارينِ مأخوذٌ غيره.

فغشي على الأعرابيّ (غاب عن الوعي)، فلمّا أفاق، قال: هل درجة أعلى منها؟ قال: نعم، سبعون درجة»!!

إنّ (استصغار الطّاعة) و(استعظام الذّنب) کفى لان بإصلاح حال المُحبّ ورفع درجته عند الله.
بل أنّ بعض المُحبِّين يطلبون إلى الله تعالى أن يُنسيهم حسناتهم وأعمالهم الصّالحه، حتّى لا يشعروا بحالة المنّ و يسألوه أن يضع سيِّئاتهم ومنکراتهم دائماً تحت أعينهم حتّى يتوبوا ويستغفروا ويستدرکوا.

واستصغار الطّاعة ليس حالة تواضعيّة فقط. بل إنّا الإنسان المُطيع لو قارنَ نفسه بأهل الطّاعة من الأنبياء والأوصياء والأولياء والعلماء، لرأى أنّ أعماله فى قِبال أعمالهم قطرات في بحر.
کما أنّ استعظام الذّنب ليس مبالغة أو تضخيماً للجرم، بل لأنّ المُحبّ الحقيق;ّ لاينظر إلى مَن عصي فيستعظم جرمه وجرأته ووقاحته وتعدِّيه، وهذا المنحني التّربويّ ;ساعد على الارتقاء في درجات الحُبّ.

عدم اجتماع حُبيّن مّتنقاضين فى القلب:

قال رسول الله (ص):«حُبُّ الدُّنيا وحُبّ اللهِ لا يجتمعان فى قلبٍ أبداً».
هذا أيضاً مجسّ آخر للإختبار، فحبّ الدّنيا المُراد منه الإستغراق والإنشغال فيها وبها لدرجة نسيان الله والآخرة، والإنصراف عن ذکر الله، والإبتعاد عن المسؤوليات الشّرعية المُترتِّبه بذمة کلّ إنسان مکلّف، أمّا طلب الدّنيا للآخرة فهو من الآخرة، وقد ميز المُحبّون بين الإثنين.
;دخل الإمام عليّ (ع) على صاحبه (عاصم بن زياد) فيرى سعة داره، فيقول له: ما تفعل بهذه الدّار وأنتَ إلى سعتها في الآخرة أحوج؟ ثمّ يستدرك (ع) فيقول: ونعم، إذا قريتَ بها الضّيف، ووصلتَ بها الرّحم، وأخرجتَ منها الحقوق، فقد طلبتَ بها الآخرة.
وجاء رجل إلى الإمام الصّادق (ع) وقال له بأنه ;حبّ الدّنيا، فقال له: کيف؟ فقال: أحبّ أن يوسّع الله عليَّ فأحجَ وأتصدّق وأصل إخواني وأرحامي، فقال له: هذا ل;س طلباً للدّن;ا بل هو طلب للآخرة.

فالتناقض بين حبّ الله وحبّ الدّنيا هو النّاتج عن الحبّ الدّنيوي الّذي يجرّ إلى الأخطاء والخطايا والإستکبار والإغترار والتّعالي والتّفاخر، والاّ فالمُحبّون لله يرفعون قوله تعال;: ( وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص/77)، شعراً للتّوازن في حياتهم.

تحبيب الله تعالى إلى خلقه:

أوحى الله تعالى إلى نبيّه موسى (ع) :«أحببني و حبِّبني إلى خلقي. فقال موس; (ع): ياربِّ إنّکَ لتعلم أنّه ليس أحد أحبّ إليّ منکّ، فکيفَ لي بقلوبِ العباد؟ فأوحى الله تعالى إليه: ذَکِّرهُم نِعمَتي و آلائِي، فإنّهم لا يذکرونِ مِني إلّا الخير»!
و أوح; سبحانه إل; نب;ِّه داود (ع): «أحبِّني وحبِّبني إل; خلقي. قال ;ا ربّ! نعم أنا آحبّك، فکيفَ أحبِّبك إلى خلقك؟ قال: اذکر أياديَّ ونعمتى عندهم، فإنّك إذا ذکرتَ لهم ذلك أحبّوني».(وأياد; الله: جوده وکرمه وإحسانه وتفضّله وعفوه وصفحه.)

إنّ مهمّة المُحبّ مشترکة: (حبّ) + (تحبيب)، لأنه ;حبّ لغيره ما يحبّ لنفسه، فهو يريد للآخرين أن ;تذوقوا حلاوة حبّ الله، کما تذوّقه هو، أمّا مساحة الجنة - الّتى عرضها السّماوات و الأرض– فتسعهما بل تسع کلّ المحبّين، لو أنّ أهل الأرض کلّهم جميعاً کانوا من المحبِّين المُطيعين له، لما کانت هناک أزمة سکن في الجنّة.


حبّ ذکر الله تعالى على کلِّ حال:

في الخبر عن رسول الله (ص): «علامة حبّ الله تعالى حبّ ذکر الله» لساناً وقلباً وعملاً وفي المواطن والمواقف کلّها: رخائها وشدّتها، ذلک أنّ من طبيعة المُحبّ أنّه ;حلو له أن يتغنّى باسم محبوبه، و أن ;ذکره و;تذکّره في کلِّ حين،حتّى ليشغل المحبوب أحياناً محبّه فلا يرى الحسن والمحاسن إلّا فيه... و هذا في حُبِّ الإنسان للإنسان، والّذين آمنوا أشدُّ حُبّاً لله.

قيام اللّيل:

فىما أوحى الله تعال; لموسى (ع): «کذبُ مَن زعم َ أنّه ;حبّني، فإذا جنّه اليل نامَ عنِّي، أليسَ کلّ مُحبّ ;حبّ خلوة حبيبه؟! ها أنا ذا ابن عمران مُطّلع على أحبّائي إذا جنّهم اللّيل حوّلتُ أبصارهم من قلوبهم، و مثلتُ عقوبتي بين أعينهم، ;ُخاطبونني عن المشاهدة، و ;ُکلِّموني عن الحضور».

اللّيالي لخلوات المُحبِّين، و اللّيل عند مَن أحبّ الله و أحبّه الله، أطيبُ و أخصبّ أوقات الِّقاء، لأنّه أطرَد للرِّياء، و أبعَد عن صخب النُهار، و أفتح لأسارير القلب، وأرقى في الدّرجه.

يقول تعالى مخاطباً حبيبه النّبيّ (ص): (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا)(المزمل/6-7).

ليلُ المُحبِّين - ولعلّك جرّبتَ ذلك في ليالي شهر رمضان وليالي القدر- حافل بفرحة اللِّقاء بالله ومناجاته واحتضانه لمحبوبه في کلِّ آلامه وآماله.